الاخبار: يحيى دبوق الجمعة 7 آب 2026
من بين العناوين البارزة التي تناولها «مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي» السنوي الذي نظّمه «معهد أبحاث الأمن القومي» بالشراكة مع مجموعة «يديعوت أحرونوت»، تحدّياتُ العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. في هذا الإطار، برزت مداخلة الرئيس السابق لـ«شعبة الاستخبارات العسكرية» (أمان) ومدير «معهد أبحاث الأمن القومي» الحالي، اللواء تامير هايمن، الذي رسم صورة قاتمة بشأن مستويات الدعم الأميركي للكيان، مُبيِّناً أن 86% من جمهور «الحزب الديمقراطي» في الولايات المتحدة - ممّن هم تحت سنّ الخمسين - لديهم رأي سلبي تجاه إسرائيل، و56% من جمهور «الحزب الجمهوري» - من الفئة العمرية ذاتها - يتبنّون موقفاً محايداً أو سلبياً منها. وحتى في أوساط المسيحيين الإنجيليين، الذين شكّلوا تاريخياً القاعدة الأكثر متانة المؤيّدة لها، بات أكثر من النصف يحملون نظرة غير إيجابية تجاهها.
ووصف هايمن إسرائيل بأنها «بهلوان يسير على حبل رفيع، بينما شبكة الأمان تختفي من تحته»، محذّراً من الرهان على شخصيات قد تأتي في مرحلة ما بعد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بوصفها ضماناً للعلاقات المستقبلية مع الولايات المتحدة؛ إذ بحسبه، حتى لو فاز مرشّح ما مؤيّد لإسرائيل، فإن التحوّلات البنيوية في الرأي العام الأميركي، والتي طاولت موقع إسرائيل في الوعي الجمعي للأميركيين، لن تتغيّر بقدوم شخص واحد. لا بل يمكن القول إن الجيل الذي سيصل إلى مواقع صنع القرار في واشنطن خلال العقد المقبل، هو جيل لا يرى في الدولة العبرية حليفاً طبيعياً، بل يعدّها جزءاً من منظومة قمع عالمية. أمّا العميد أساف أوريون، الذي شغل منصباً رفيعاً في مديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي، فرأى أن المشكلة ليست في الاعتماد على الولايات المتحدة، بل في أن هذا الاعتماد تحوَّل من تبعية مؤسّسية واسعة، إلى تبعية شخصية لرجل واحد، منبّهاً إلى أنه كلّما زاد الارتهان لشخص واحد، بات الدعم الأميركي مُعرَّضاً للتقويض في المستقبل. وتساءل أوريون عمّا إذا كان التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ممسوكاً بـ«خيط أم حبل»، مجيباً بأنه إذا كان الاتّكال على شخص واحد، وعلى مدّة ولايته، وعلى أجندته حين يستيقظ صباحاً، فإن ما يمسك بالتحالف هو خيط فحسب.
في المقابل، وفي اللحظة نفسها التي كان يحذّر فيها أرفع المسؤولين الأمنيين من فقدان الدعم الأميركي، خرج وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، ليهاجم الرئيس الأميركي ذاته، في ما ينمّ عن عدم إدراك لكون إسرائيل لا تملك ترف معاداة حليفها الوحيد المتبقّي في عالم يتغيّر بسرعة. لكن حين سُئل وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، عن تصريح بن غفير، لم يؤيّده. وذكّر حلفاءه في المعسكر القومي بضرورة عدم الجحود تجاه ترامب، مؤكداً أن الرئيس الأميركي فعل لإسرائيل ما لم يفعله أيّ رئيس سبقه. والتمايز هذا، إنما يكشف أن «القيادة السياسية» التي تبدو كتلة متجانسة في تطرّفها، ليست كذلك بالضرورة في كلّ الملفات، بل ثمّة مِن داخلها مَن يدرك حدود المجازفة بالعلاقة مع واشنطن.
إسرائيل تخسر التأييد الذي كانت تحظى به في أوساط الأميركيين
وفي الانتقال من تشخيص المشكلة إلى محاولة إيجاد حلول لها، لم يعلّق أوريون أيّ أمل على الحكومة الحالية، بل اقترح على تلك التي ستأتي مِن بَعدها جملة خطوات، لعلّ أبرزها التالية:
أولاً: مراجعة مفهوم الأمن الذي تشكّل منذ بداية الحرب، والسؤال عمّا إذا كان يمكن لإسرائيل أن تتحمّل حرباً بلا توقّف، ووقاية بلا توقّف، وحماية عسكرية من كلّ التهديدات بلا حلول سياسية.
ثانياً: اتّخاذ قرار بشأن استمرار الحرب الشاملة، أو الانتقال إلى حملة أقل حدّة تراعي تآكل الاحتياط، والانضباط، والميزانية، والمكانة الدولية.
ثالثاً: تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة برؤية طويلة المدى، نظراً إلى أن هذه العلاقة من النوع الاستراتيجي الذي لا يمكن استبداله.
رابعاً: تنويع أعمدة الدعم، وعدم حرق الجسور مع أوروبا والدول الأخرى.
خامساً: تغيير النموذج من «ماذا تفعل أميركا لإسرائيل» إلى «ماذا تفعل إسرائيل لأميركا»؛ فالولايات المتحدة تَنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه عبئاً مستمراً لا تريد إدارته، فيما إسرائيل يجب أن تجتهد لتجعل نفسها في قلب أولويات واشنطن الحقيقية، وفي مقدّمتها المنافسة مع الصين.
لكن، هل الحكومة الحالية قادرة فعلاً على ترميم التصدّع في العلاقة مع واشنطن؟ وهل هي ترى هذا التصدّع أصلاً بعين مصلحة الدولة العبرية، أم أنها تعيش في الوهم القائل إن العلاقة الشخصية مع ترامب تكفي؟ وهل حكومة مقبلة، أيّاً كان رئيسها، قادرة فعلاً على إعادة بناء الغلاف الاستراتيجي الذي بدأ يتآكل؟ الواقع أن ذلك التآكل ليس نتيجة سياسات إسرائيل وحدها، بل جزء كبير منه نتاج تحوّل بنيوي في الولايات المتحدة ذاتها، وفي وعي أجيالها، وفي أولوياتها الاستراتيجية، وفي نظرتها إلى الشرق الأوسط. والتحوّل المذكور ليس قابلاً للعكس بقرار إسرائيلي، ولا بزيارة رئيس حكومة إلى واشنطن، بل ما يمكن لإسرائيل أن تفعله حياله، هو أن تتكيّف مع الواقع الجديد، بدلاً من أن تنكره أو أن تراهن على عودته إلى ما كان عليه.
يتبع: هل تملك إسرائيل قيادة بديلة قادرة على فهم هذا التحوّل والتكيّف معه؟

![معضلة «الأمن القومي» الإسرائيلي [45] كيف يُصان درع الحماية الأميركي؟ معضلة «الأمن القومي» الإسرائيلي [45] كيف يُصان درع الحماية الأميركي؟](uploads/news/pics/newspaper.png)